TunAvis Blog
شيف على تيك توك.. دجال في المطبخ؟ خدعة الوجبات السريعة في تونس
رائحة الزبدة المحمصة (beurre noisette) وهي تطقطق في مقلاة نحاسية، والصمت شبه الديني الذي يخيم على طاقم المطبخ (البريغاد) قبل دقائق معدودة من انطلاق الخدمة، والحركة الجراحية الدقيقة لطاهي الصلصات (السوسييه) وهو يضبط حموضة عصارة مركزة غليت على نار هادئة لـ12 ساعة... هذا هو العالم الذي حدد مفهوم "الطهي الرفيع" (Haute cuisine) لقرون مضى. إنه عالم من نكران الذات، وحروق السواعد، والتلقين الشفوي، والانضباط شبه العسكري.
ومع ذلك، يكفي اليوم أن تفتح هاتفك الذكي لتشاهد عرضاً مختلفاً تماماً. على منصات تيك توك، إنستغرام، أو فيسبوك، يعرض مقطع فيديو سريع الوتيرة لا تتجاوز مدته ثلاث ثوانٍ جبناً يتمدد إلى ما لا نهاية، أو صلصة صناعية فائقة السعرات الحرارية تُسكب بالمغرفة فوق برغر ضخم (XXL)، كل ذلك على إيقاع موسيقى حضرية رائجة. وفي الوصف، تتكرر كلمة واحدة بشكل منهجي وشبه هجومي: «الشيف».
في تونس، تأخذ هذه الظاهرة أبعاداً غير مسبوقة. فمن تونس العاصمة إلى سوسة، يجمع مقاولون شباب في مجال الوجبات السريعة، ممن نصبوا أنفسهم «طهاة»، ملايين المشاهدات، ويحصدون ثناء المؤثرين في مجال الطعام، وينصبون أنفسهم قادة جدداً للمشهد الطهوي الذي يمر بطفرة كاملة. ولكن، هل يمكننا حقاً وصف شخص يقتصر "صنعته" على تجميع الشطائر، أو قلي البطاطس المجمدة، أو بسط صلصة الطماطم على عجين صناعي بأنه «شيف مطبخ»؟ وهل تمثل البيتزا والتاكوس والمأكولات الخفيفة قطاع الطهي والطبخ الرفيع، أم أننا نشهد دجلًا ومغالطة لغوية كبرى؟
لقد حان الوقت لإلقاء نظرة واقعية، خالية من الفوقية ولكن بصرامة مطلقة، على هذا الانحراف الذي يهدد جوهر مهنة فنية عريقة.
1. من المنفّذ إلى الماستر: التشريح الحقيقي لدور «شيف المطبخ»
لفهم هذا الشذوذ الحالي، يتعين علينا إعادة تعريف المصطلحات في القاموس الطهوي. فكلمة «شيف» ليست لقباً فخرياً يمنحه المرء لنفسه بمجرد شراء سترة بيضاء مطرزة من أحد أسواق العاصمة. إنها رتبة، ووظيفة، وقبة هرم من المهارات التي تُكتسب بشق الأنفس بعد سنوات من التضحية.
لقد استقرت حالة من الخلط في ذهن المستهلك التونسي بين مختلف الفاعلين في قطاع المطاعم. فلنتميز بينهم بوضوح:
- محضّر الوجبات السريعة: هو حلقة في سلسلة إنتاج نمطية. يقتصر دوره على تجميع مكونات مسبقة التحضير مع احترام معايير صارمة (الوزن، ووقت الطهي المؤتمت). الإبداع هنا منعدم، والتقنية آلية.
- البيتزايولو (صانع البيتزا) والطاهي: يمتلك الأول معرفة حرفية حقيقية تتعلق بالتعامل مع العجين والتخمير، لكن نطاق عمله يظل تخصصياً محصوراً. أما الثاني (الطهي) فهو يتقن أساسيات الطبخ (التقطيع، الطهي البسيط)، وينفذ الوصفات، لكنه لا يتحمل مسؤولية الابتكار أو الإدارة.
- شيف المطبخ (والشيف التنفيذي): هو قائد الأوركسترا. لا يتقن شيف المطبخ جميع التقنيات فحسب، بل يدير أيضاً الربحية المالية (تكلفة الطعام - Food cost)، ويصمم القوائم (المنيو)، ويدير عشرات الأشخاص، ويفرض بصمة فنية خاصة، ويحافظ على استقرار الجودة تحت ضغط هائل.
إن الشيف الحقيقي في عالم الطهي الرفيع هو عالم، وفنان، ورائد أعمال. ولا تأتي شرعيته من عدد "متابعيه"، بل من قدرته على تحويل المادة الخام البسيطة إلى عاطفة لا تُنسى، مع تأطير طاقم مطبخ يتم فيه تقنين كل حركة بدقة.
2. تنصيب المذاق في مواجهة عهد الإشباع: الطهي الرفيع ضد الوجبات السريعة
لا تقتصر ثقافة الطهي الرفيع (الغازترونومي) على قيمة الفاتورة أو فخامة مفارش الطاولات. بل إنها تستجيب لمعايير صارمة وثابتة، معتمدة من مؤسسات دولية مثل دليل "ميشلان" أو أكاديمية "بوكوز الذهبي" (Bocuse d'Or).
فمن جهة، ترتكز متطلبات الطهي الرفيع على ركائز ذات تقنية مطلقة: إتقان التقطيع الدقيق (مثل البرونواز والجيليان)، والفن المعقد للصلصات المركبة (المرق الصافي، والمرق البني، والاختزال البطيء الذي يشكل الحمض النووي للطاهي)، والضبط المليمتري لدرجات الطهي (الطهي في درجات حرارة منخفضة، والإدارة الدقيقة لدرجة نضج اللحوم والأسماك)، والمعرفة العميقة بالمنتجات من خلال التزود المحلي والموسمي، الذي يثمن القطع النبيلة والمكونات المنسية على حد سواء.
ومن جهة أخرى، ينعكس واقع الوجبات السريعة في منطق مغاير تماماً: التجميع الميكانيكي لمنتجات نصف مصنعة أو مجمدة، والاستخدام المنهجي لصلصات صناعية جاهزة للاستخدام — مشبعة بالسكر ومحسنات النكهة —، وطرق طهي نمطية بالكامل في المقلاة العميقة (الفريتوز) أو على صفائح التسخين الآلية.
إن ربط الوجبات السريعة بالطهي الرفيع لمجرد أن الطبق "لذيذ" هو خطأ ثقافي فادح. فالوجبات السريعة تقوم على مبدأ عصبي بيولوجي بسيط: إغراق حليمات التذوق بالدهون والملح والسكر. أما الطهي الرفيع، على العكس من ذلك، فيبحث عن التوازن، والتحضر، وإبراز المرارة والحموضة والقوام. الأول يهدف إلى الشبع السريع، والثاني يهدف إلى إيقاظ الحواس.
3. خوارزمية المظاهر الكاذبة: عندما تملي وسائل التواصل الاجتماعي الموهبة
كيف وصلنا إلى هذا الخلط في تونس؟ تكمن الإجابة في بضعة أسطر من البرمجة المعلوماتية: خوارزميات إنستغرام، تيك توك، وفيسبوك.
لقد قلبت هذه المنصات سلسلة القيمة لمهنة صاحب المطعم. في السابق، كان الاعتراف يُكتسب داخل المطبخ، من خلال انطباعات الزبناء الشفوية ونقد الأدلة المتخصصة. أما اليوم، فيُكتسب على شاشة الهاتف الذكي بفضل استراتيجية تسويقية شرسة تعتمد على عدة رافعات:
- المونتاج البصري المنوم مغناطيسياً: لقطة مقربة عالية الدقة، الصوت المقرمش لخبز يُقطع (تأثير الـ ASMR الشهير)، انتقال ديناميكي سريع... يخلق المونتاج وهماً بالانسيابية والكمال التقني حيث لا يوجد أحياناً سوى حركة خرقاء أُعيدت عشرات المرات من أجل الكاميرا.
- تأثير القطيع لـ «مؤثري الطعام»: في تونس، تملي فئة جديدة من صناع المحتوى الموضة السائدة. ومقابل مبالغ مالية (تكون مخفية أحياناً) أو وجبة مجانية، يصفون أدنى مطعم وجبات خفيفة في الحي بأنه «الاكتشاف الطهوي لهذا العام». لقد أصبحت صيغ المبالغة هي القاعدة، مما أدى إلى إلغاء أي فكر نقدي.
- التسويق البصري القائم على المبالغة: لكي يصبح الطبق واسع الانتشار (Viral)، لا يجب أن يكون لذيذاً، بل يجب أن يكون جذاباً في الصور أو استعراضياً. إنها السباق نحو "فود بورن" (Food porn): شلالات من الجبن الذائب، برغرات ضخمة يستحيل أكلها بنظافة، ورش مكونات يُزعم أنها فاخرة (مثل الترافل الاصطناعي أو ورق الذهب) فوق أطباق رديئة.
يسمح هذا النظام لهواة، لا يملكون يوماً واحداً من التكوين الطهوي أو الخبرة الميدانية، بفتح محلات ترفع لافتة "ممتلئ" منذ اليوم الأول، لمجرد أنهم يتقنون رموز التواصل الرقمي بشكل أفضل بكثير من الحرفيين الحقيقيين للمطبخ.
4. الارتباك التونسي: الشعبية الرقمية في مواجهة الكفاءة الحقيقية
يعد الجمهور التونسي، الشاب والشغوف بالإنترنت بشكل خاص، الضحية الأولى لتشويه الواقع هذا. بالنسبة للمستهلك العادي، فإن أي مؤسسة تولد طوابير انتظار طويلة أمام بابها في أريانة أو المرسى يديرها بالضرورة «شيف كبير».
هذا خلط واضح بين مهارة مدير صفحة التواصل الاجتماعي (Community manager) وموهبة الطاهي. إن حالة بعض صناع المحتوى التونسيين صارخة: فمسلحين بحس فني فطري للاستعراض، يصورون أنفسهم في المطبخ، ويتبنون لزامات الكلام الخاصة بالمحترفين، ويرتدون السترة البيضاء بفخر، لكنهم يعجزون عن إعداد مرق عجل كلاسيكي (fond de veau) أو تقطيع سمكة وفقاً لأصول المهنة.
وعلى الصعيد الدولي، تمت إدانة هذه الظاهرة بالفعل من قبل أقطاب الطهي الرفيع. يخصص الشيف الحائز على ثلاث نجوم ميشلان، غوردون رامزي، جزءاً من وقته لتفكيك التجاوزات الطهوية لـ "نجوم التيك توك" بسخرية لاذعة ولكن بدقة تقنية لا غبار عليها من خلال فيديوهاته Ramsay Reacts. وفي فرنسا، ينتفض نقاد الطعام ضد هؤلاء «طهاة الورق المقوى» الذين ينهارون بمجرد أن يتعلق الأمر بتقديم 80 وجبة بجودة ثابتة ودون مساعدة قطوعات مونتاج الفيديو.
وفي تونس، يسهل هذا الدجل بسبب غياب نقد طهوي مستقل ومنظم. ولا يملك الجمهور بوصلة سوى عدد الإعجابات (Likes)، وهي ميزة يسهل التلاعب بها كثيراً.
5. مهنة في خطر: الأثر التدميري على قطاع المطاعم التونسي
هذا التحول السطحي للمشهد الطهوي التونسي لا يمر دون عواقب، بل إنه يضعف منظومة كاملة في العمق.
أزمة الرغبة في المهنة وحيرة مدارس الطهي
تواجه مدارس الطهي المرموقة في تونس (العامة والخاصة) تحدياً غير مسبوق. كيف يمكن تحفيز الطلاب على تعلم التقنيات الأساسية، وقضاء ساعات في تقشير الخضار، وتنظيف أسطح العمل، وقبول تراتبية طاقم المطبخ، عندما يرى هؤلاء الشباب أنفسهم على إنستغرام أنه يمكن للمرء أن يصبح مشهوراً وثرياً بمجرد وضع ثلاثة مكونات صناعية فوق بعضها بين شريحتين من خبز البريوش؟ نحن نشهد انقطاعاً: يريد الشباب مجد الشيف دون المرور بعرق المساعد (الكومي).
المنافسة غير العادلة للشيفات الحقيقيين
يجد الطهاة التونسيون المحترفون، أولئك الذين يثمنون التراث الطهوي الوطني، والذين يطبخون أخطبوط قرقنة، أو لحم ضأن تِيبَار، أو حمضيات الوطن القبلي بنبل واحترام تقني، أنفسهم مغمورين في السيل الرقمي. إنهم يستثمرون في مواد خام عالية الجودة، ويدفعون أجوراً لموظفين مؤهلين يخضعون لمعايير نظافة صارمة، لكنهم يرون هوامش ربحهم تتقلص أمام هياكل وجبات سريعة خفيفة، ذات تسويق هجومي، تستقطب جزءاً هائلاً من القدرة الشرائية للتونسيين.
خاتمة: إعادة الاعتبار لمئزر الطبخ
للوجبات السريعة مكانتها في الاقتصاد وفي العادات الاستهلاكية لتونس الحديثة. فهي تلبي حاجة السرعة، والمواكبة الحضرية، والميزانية المدروسة. كما أن إعداد شطيرة طيبة أو بيتزا ناجحة يتطلب معرفة حرفية حقيقية لا مجال للتقليل من شأنها.
إن الخطأ — والخطر على ثقافتنا — يكمن في خلط الأنواع. لا، محضّر البرغر ليس شيف مطبخ. لا، ليس انتشار الصلصات الصناعية من الطهي الرفيع في شيء.
ومن أجل الحفاظ على الهوية الطهوية التونسية وتشجيع التميز لدى شبابنا، من الضروري إعادة الاعتبار لمفهوم الجهد، والتكوين، والحقيقة التقنية. يجب أن تكف سترة الشيف عن كونها قناعاً تسويقياً لتعود إلى ما كانت عليه دائماً: درع عمل، يرتديه بتواضع أولئك الذين يكرسون حياتهم للفن المتطلب، النبيل، والجميل للمائدة. إن الشعبية زائلة، أما الموهبة، فهي تخترق الزمن.