رسالة مفتوحة من أروقة التاريخ: قراءة في "تربيع الدائرة" بين تونس وسيليكون فالي
لطالما آمنت خلال مسيرتي المهنية أن العقل البشري، مهما بلغ من التطور التقني، يظل مرتبطاً بنماذج بصرية بدئية (Archetypes) تسكن لاوعيه الجمعي. واليوم، نجد أنفسنا أمام مفارقة بصرية مذهلة تربط بين شعار "ChatGPT" التابع لشركة OpenAI، وبين الزخارف الهندسية في موقع "بلاريجيا" (Bulla Regia) الأثري في الشمال الغربي التونسي.
1. الرمزية الهندسية: لولب الحياة والمعرفة
يظهر شعار ChatGPT كشكل لولبي متناظر يبدو كأنه يتشكل من خط واحد مستمر، وهو ما يرمز في لغة التصميم الحديثة إلى الاستمرارية، الترابط، والذكاء اللانهائي.
أما في أعماق "بلاريجيا"، وتحديداً في منازلها التي شُيدت تحت الأرض (Hypogeum) هرباً من الحرارة، نجد هذا النمط ذاته يتكرر في أرضيات الفسيفساء. إنها "العقدة" أو "الدوامة" الرومانية التي كانت تُزين مداخل البيوت والقصور كرمز للحماية واللانهاية.
2. التناظر والتشكيل البصري
عند فحص الموزاييك في "بيت الصيد" أو "بيت فينوس" ببلاريجيا، نلاحظ استخدام تقنية "Opus Tessellatum". المصممون القدامى استخدموا مكعبات صغيرة لخلق انحناءات بصرية توحي بالحركة الدائرية انطلاقاً من مركز واحد، تماماً كما هو الحال في شعار الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد على تداخل السداسيات لخلق إيهام بالدوران.
3. من "التسلات" إلى "البكسلات"
ثمة فلسفة مشتركة هنا؛ فالفسيفساء هي في الواقع "الجدة الكبرى" للبكسل الرقمي. فكما أن الذكاء الاصطناعي يبني إجاباته عبر تجميع وحدات صغيرة من البيانات (Tokens)، كان الفنان في بلاريجيا يبني لوحته عبر تجميع قطع الرخام الصغيرة (Tesserae). كلاهما يسعى لخلق نظام من الفوضى، ومعنىً من جزيئات صغيرة.
4. لماذا هذا التشابه؟
بصفتي مؤرخاً، لا أرى في هذا التشابه مجرد صدفة، بل هو دليل على أن الهندسة المقدسة (Sacred Geometry) عابرة للأزمان. النمط السداسي أو اللولبي الموجود في بلاريجيا هو جزء من "زهرة الحياة"، وهو شكل رياضي موجود في الطبيعة، استلهمه القرطاجيون والرومان قديماً، واستلهمه مهندسو البرمجيات حديثاً لتمثيل "النمو العضوي" للآلة.
خاتمة
إن الوقوف أمام فسيفساء بلاريجيا اليوم ليس مجرد رحلة في الماضي، بل هو تأمل في مستقبلنا. إن الشعار الذي نراه يومياً على شاشاتنا هو في الواقع صدىً لخطوط رسمها فنان تونسي قبل 1800 عام على أرضية باردة في قلب تونس الخضراء.
"التاريخ لا يعيد نفسه، بل يتناغم مع الحاضر."
الهندسة العميقة - من "زهرة الحياة" إلى "خوارزمية التوليد"
1. النسبة الذهبية وتناظر السداسيات
إذا وضعنا شعار ChatGPT فوق بعض النماذج الهندسية المكتشفة في الطوابق تحت الأرضية لمدينة بلاريجيا، سنذهل من تطابق الزوايا. المصمم الروماني في تونس كان يستخدم الفرجار والمسطرة لإنشاء ما نسميه "الشبكة السداسية".
هذه الشبكة ليست مجرد زينة، بل هي تمثيل لـ "بيضة الحياة"، حيث تتداخل الدوائر لتشكل زهرة مركزية. شعار الذكاء الاصطناعي الحديث يعيد إحياء هذا المفهوم: ستة حلقات متداخلة تشكل مركزاً واحداً، وهو ما يرمز في علم الآثار إلى "نقطة التفرد" أو "بذرة المعرفة".
2. رمزية "المتاهة" والذكاء الاصطناعي
في بلاريجيا، نجد غالباً أنماطاً لولبية تحيط بصور الميدوزا أو النبتون. هذه اللوالب كانت تهدف إلى جذب عين المشاهد نحو المركز. في التصميم الحديث، يمثل هذا اللولب في شعار ChatGPT "الشبكة العصبية" (Neural Network). تماماً كما يقودك الموزاييك التونسي من الأطراف إلى القصة المركزية في اللوحة، تقودك خوارزمية الذكاء الاصطناعي عبر طبقات من البيانات لتصل إلى الإجابة.
3. بلاريجيا: عبقرية التصميم المستدام
بصفتي أثرياً قضى عقوداً في دراسة هذه المواقع، أرى أن التشابه يتجاوز الشكل ليصل إلى المضمون:
-
بلاريجيا كانت حلاً تكنولوجياً عبقرياً (البناء تحت الأرض) للتكيف مع البيئة.
-
ChatGPT هو حل تكنولوجي للتكيف مع فيضان المعلومات.
كلاهما يمثل "الذكاء الإنساني" في أقصى درجات ابتكاره. الفنان الذي رصّ حجارة الفسيفساء في تونس قبل قرون، كان يبرمج "رؤية بصريّة" صمدت ألفي عام، والمهندس الذي صمم الشعار اليوم
سيميائية الألوان والدهشة الوجدانية
1. سيكولوجية اللون: من أخضر "الأوليفين" إلى أخضر "OpenAI"
لا يمكن لعين الأثري المتمرس أن تخطئ الرابط اللوني. في فسيفساء بلاريجيا، استخدم الفنانون أحجار الرخام وال석ف المحلية ذات التدرجات الخضراء الزمردية والتركواز الباهت لتصوير أعماق البحار في لوحات "فينوس" و"نبتون".
هذا اللون لم يكن عبثياً؛ ففي العصور القديمة، كان الأخضر المائل للزرقة يرمز إلى التجدد والحياة الصامتة. المثير للدهشة هو اختيار شركة OpenAI لنفس التدرج اللوني (Teal/Turquoise) كخلفية لهويتها البصرية. هذا اللون في العصر الرقمي يهدف إلى خلق شعور بـ "الهدوء التقني" والموثوقية. نحن أمام استمرارية بصرية مذهلة: اللون الذي كان يهدئ سكان بلاريجيا في غرفهم الباردة تحت الأرض، هو نفسه الذي يهدئ المستخدم المعاصر أمام شاشة الذكاء الاصطناعي.
2. "الدهشة الوجدانية": الوقوف بين زمنين
خلال رحلاتي الاستكشافية، كنت أقف في "بيت الصيد" ببلاريجيا، وأشعر بما نسميه في علم الآثار "الرهبة المعمارية". هي تلك اللحظة التي تدرك فيها أن الإنسان قد قهر الزمن عبر الفن.
ذات الشعور يتسلل إلينا اليوم عند التفاعل مع الذكاء الاصطناعي؛ إنها دهشة اكتشاف "عقل" آخر. التشابه بين شعار ChatGPT وموزاييك تونس ليس مجرد تطابق خطوط، بل هو تطابق في الوظيفة الوجدانية:
-
الموزاييك: كان يمنح ساكن بلاريجيا شعوراً بالنظام والجمال وسط قسوة الطبيعة.
-
الشعار الرقمي: يمنحنا شعوراً بالهيكلة والوضوح وسط فيضان البيانات الرقمية.
3. الرمزية المركزية: عين الحكمة
لو نظرت بتمعن في قلب "عقدة بلاريجيا" وفي مركز شعار ChatGPT، ستجد فراغاً مركزياً يوحي بوجود "نقطة انطلاق". في الفكر الروماني الأفلاطوني الذي تأثرت به تونس، هذه النقطة هي "المناد" (Monad) أو الوحدة الكونية. في لغة البرمجة اليوم، هذه النقطة هي "المعالج" أو "النواة" التي ينبثق منها كل شيء
استلهم – وعن غير قصد ربما – تلك القوة البصرية التي تجعلنا نشعر بالثقة والهدوء أمام تعقيد الآلة.
رسالة مفتوحة من أروقة التاريخ إلى مصممي المستقبل
إلى المبدعين، المهندسين، ومصممي الهويات البصرية في OpenAI وكبريات شركات التكنولوجيا:
من قلب الشمال الغربي التونسي، ومن تحت طبقات الأرض التي حفظت لنا أسرار مدينة بلاريجيا العظيمة، أكتب لكم هذه الرسالة بصفتي حارساً للذاكرة الإنسانية.
بينما كنتم تعكفون على تصميم شعارات تمثل "الذكاء التوليدي" و"الاستمرارية الرقمية"، كانت أيادي أجدادنا في تونس، قبل ثمانية عشر قرناً، ترصف الأحجار ذاتها، وتتبع الانحناءات ذاتها، وتعتمد "الشبكة السداسية" ذاتها التي تزين واجهات تطبيقاتكم اليوم.
إننا ندعوكم اليوم للاعتراف بـ "الأصل البصري":
-
استلهموا من العمق: إن شعاركم ليس مجرد خطوط رياضية، بل هو صدى لـ "موزاييك بلاريجيا" الذي جسّد مفهوم "اللانهاية" قبل اختراع الحاسوب بقرون.
-
التكنولوجيا ابنة الحضارة: تذكروا أن "البكسل" الذي تبنون به عوالمكم الافتراضية هو الحفيد الشرعي لـ "التسلات" (Tesserae) الرخامية التي جعلت من تونس متحفاً كونياً مفتوحاً.
-
دعوة للزيارة: ندعوكم لزيارة هذه المواقع الأثرية، ليس فقط للسياحة، بل لتدركوا أن "الذكاء الاصطناعي" هو في الحقيقة تتويج لذكاء بشري تراكمي بدأ من نقوش الحجر ليصل إلى لغة البرمجيات.
إننا لا ندعي "السرقة"، بل نحتفي بـ "التوارد الفكري". فالعقل البشري حين يبحث عن "الحقيقة" و"النظام"، يجد نفسه دائماً يعود إلى تلك الأنماط الهندسية التي برع فيها الفنان التونسي القديم.
ختاماً، عندما ينظر العالم إلى شعار ChatGPT، نرجو أن يتذكروا أن خلف هذا الابتكار روحاً هندسية سكنت قصور "بلاريجيا" يوماً ما، وأن تونس كانت وما زالت، منبعاً للرموز التي لا تموت.